إخوان الصفاء

44

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

يرى على وجه القمر ، فإن ذلك من إشراق الشمس على سطح جرمه ولانعكاس شعاعاتها كما يرى مثل ذلك في وجه المرآة إذا قابلت الشمس . وأما سائر الأجسام التي في العالم فبعضها نيّر ونورها ذاتيّ لها وهي الشمس والكواكب والنار التي عندنا ، وأما باقي الأجسام فكلّها مشفّات ، وهي الأفلاك والهواء والماء وبعض الأجسام الأرضيّة ، كالزّجاج والبلّور وما شاكلهما . والأجسام النّيّرة هي التي نورها ذاتيّ ، والأجسام المشفّة هي التي ليس لها نور ذاتيّ ولا لون طبيعيّ ، ولكن إذا قابلها جسم نيّر سرى نوره في جميع أجزائها مرّة واحدة ؛ لأن النور صورة روحانية ، ومن خاصّيّة الصّور الروحانية أن تسري في الأجسام دفعة واحدة ، وتنسلّ منها دفعة واحدة بلا زمان ، فإذا حال بين الأجسام النيّرة وبين الأجسام المشفّة حائل غير مشفّ منع نور النّيّر أن يسري في الجسم المشفّ . والنور في جرم الشمس والكواكب والنار ذاتيّ لها ، وأما في أجرام الأفلاك والهواء والماء فعرضيّ . وأما جرم الأرض والقمر فلما كانا غير نيّرين ولا مشفّين ، صار لهما الظلّ ، لأن النور لا يسري فيهما كما يسري في الأجسام المشفّة ، غير أن جرم القمر صقيل يردّ النور كما يردّ وجه المرآة ، وسطح جرم الأرض غير صقيل ، فهذا هو الفرق بينهما . فصل في علة الكسوفين واعلم يا أخي أنه لما كان جرم الأرض وجرم القمر كلّ واحد منهما أصغر من جرم الشمس ، صار شكل ظلّيهما مخروطا ، وشكل المخروط هو الذي أوّله غليظ ، وآخره دقيق ، حتى ينقطع من دقّته . فظلّ الأرض يبتدئ من سطحها ، ويمتدّ في الهواء منخرطا ، حتى يبلغ إلى فلك القمر ، ويمتدّ في سمكه ، حتى يبلغ إلى فلك عطارد ، ويمتدّ في سمكه أيضا إلى أن ينقطع